حبيب الله الهاشمي الخوئي

194

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فمن صبر على ذلك المكروه يكون مصيره إلى الجنّة وكذلك النار محفوفة باطلاق عنان النفس وارتكاب ما تشتهيها وتتمناها من الشهوات والمحرّمات ، فمن أقدم عليها وأتى بها يكون عاقبته إلى النار وكفى بالجنّة ثوابا ونوالا في تسهيل تحمّل تلك المكاره ، وكفى بالنار عقابا ووبالا في التنفير عن هذه الشهوات . ثمّ بعد تسهيل المكاره التي يشتمل عليها الطاعات يكون غايتها أشرف الغايات وتحقير الشهوات الَّتي يريد التنفير عنها يكون غايتها أخسّ الغايات نبّه على أنّه لا تأتى طاعته إلَّا في كره ولا معصيته إلَّا في شهوة ، وهو قوله ( واعلموا أنه ما من طاعة اللَّه شيء إلَّا يأتي في كره وما من معصية اللَّه شيء إلَّا يأتي في شهوة ) لأنّ النّفس للقوّة الشهويّة أطوع من القوّة العاقلة خصوصا فيما هو أقرب إليها من اللَّذات المحسوسة الَّتي يلحقها العقاب عليها . ( فرحم اللَّه رجلا نزع ) وكفّ ( عن شهوته وقمع ) أي قلع ( هوى نفسه فان هذه النفس ) الأمّارة بالسوء ( أبعد شيء منزعا ) أي كفا وانتهاء عن شهوة ومعصية ( وأنها لا تزال تنزع ) أي تشتاق وتميل ( إلى معصية في هوى ) نبّه على وصف المؤمنين وكيفيّة معاملتهم مع نفوسهم جذبا للسامعين إلى التأسّي بهم وتحريصا لهم على اقتفاء آثارهم وهو قوله : ( واعلموا عباد اللَّه أنّ المؤمن لا يصبح ولا يمسى إلَّا ونفسه ظنون ) أي متّهمة ( عنده ) أي أنها ضعيفة قليلة الحيلة لا تقدر على أن تحتال وتعالج في أن تغره وتورده موارد الهلكة بل هو غالب عليها في كلّ حال ( فلا يزال زاريا ) أي عايبا ( عليها ) في كلّ حين ( ومستزيدا لها ) أي مراقبا لأحوالها طالبا للزيادة لها من الأعمال الصالحة في جميع الأوقات . ( فكونوا كالسابقين قبلكم ) إلى الجنّة ( والماضين أمامكم ) من المؤمنين الزاهدين في الدّنيا والرّاغبين في الآخرة ( قوّضوا من الدّنيا تقويض الرّاحل ) يعني أنهم قطعوا علايق الدّنيا وارتحلوا إلى الآخرة كما أنّ الرّاحل إذا أراد الارتحال يقوّض متاعه وينقض خيمته ويهدم بناءه ( وطووها طىّ المنازل ) أي طووا أيام